عمر فروخ

368

تاريخ الأدب العربي

ويضرب في أزمات تذكّره لها ، عن الطعام والشراب حتّى يهزل جسمه أو حتّى يموت . ولا ريب في أن الشعر العذريّ شعر عذب سهل محبّب إلى النفس الإنسانية لأنه في الواقع يمثل النزوع الموجود في كل نفس إلى الحياة الطبيعية في البشر . ولكن يجب ألّا ننسى أن المحب العذريّ رجل ضعيف الشخصية لأنه في الحقيقة رجل ناقص الرجولة . ان الحنين الشعري في هؤلاء العذريين يجب أن يكون تعويضا نفسانيا لهم عمّا فقدوه من قدرة الشعراء المغامرين على التمتّع بالحياة الطبيعية تمتّعا تامّا كاملا . والمبالغة في الحب العذري أدّت إلى ظهور الشعراء المجانين ، أولئك الشعراء الذين ذهب عقلهم في تلك الأوهام التي كانوا يشبّحونها لأنفسهم في خيالهم . ومع أن شعر الشعراء المجانين غير ثابت على القطع لشعرائه ، فان هذه الطبقة من الشعراء كانت موجودة وكان لها شعر يبدو أن بعضه اختلط ببعض . 7 - الخمريات : القول في الخمر غرض من أغراض القصيدة الجاهلية اتّسع عند الأعشى من غير أن يصبح فنّا مستقلا . ثم جاء الإسلام فغابت الخمر أو كادت . ومع أن نفرا من الشعراء المسلمين ، ومن المسلمين غير الشعراء أيضا ، قد شربوا النبيذ أو شربوا الخمر التي لم يكن ثمّت خلاف في تحريمها ، فان الشعراء المسلمين لم يقولوا في الخمر إلّا في النادر كما رأينا عند أبي محجن الثّقفي وكما سنرى عند نفر قليلين من الشعراء الأمويين المسلمين . أما الأخطل المسيحي فقد جرى في شرب الخمر وفي القول فيها على سجيّته ، كما سنرى ذلك وتعليل ذلك في ترجمته . ولم يكن القول في الخمر متّسعا في العصر الأموي ، بالإضافة إلى ما كان عليه في الجاهلية من قبل وفي العصر العبّاسي من بعد ، ولا أصبح القول في الخمر في هذا العصر الأمويّ فنّا مستقلّا قائما بنفسه . ويحسن أن نزيد هنا أيضا أنه لم يطرأ جديد على أوصاف الخمر في هذا العصر ، وأنّ الخمر كانت لا تزال تنتظر أبا نواس ( توفي سنة 199 ه ) حتّى يوفّيها حقّها وحتّى يجعل منها فنّا قائما بنفسه .